يعد الذكاء الاصطناعي الآن حاضرًا في تفاصيل كثيرة من علاقتنا بالمعرفة؛ نلجأ إليه للبحث، والتلخيص، والكتابة، والترجمة، والتحليل، واقتراح الحلول، حتى أصبح قادرًا على اختصار خطوات كانت تتطلب منا في السابق وقتًا وجهدًا وممارسة ذهنية متواصلة. وما كان يحتاج إلى قراءة ومقارنة وبحث ومحاولة، يمكن اليوم أن يبدأ وينتهي بسؤال واحد نكتبه في نافذة محادثة. ولا شك أن هذه القدرة تمثل تحولًا مهمًا في الطريقة التي نصل بها إلى المعلومات ونستخدمها، كما أنها تفتح أمام المكتبات والمؤسسات المعرفية فرصًا جديدة لتطوير خدماتها وبرامجها. لكن كلما ازدادت قدرة الآلة على إنجاز المهام التي كانت تتطلب مشاركة الإنسان، أصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا عند جانب آخر من المسألة؛ جانب لا يتعلق بما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما بما قد يتوقف الإنسان عن فعله نتيجة اعتماده المكثف عليها. فالتفكير، مثل غيره من المهارات، لا يتشكل في الفراغ. نحن نفكر لأننا نبحث، ونحلل لأننا نواجه سؤالًا لا نملك إجابته، ونقارن لأن أمامنا أكثر من احتمال، ونتذكر لأننا نحاول استدعاء ما تعلمناه، ونبني حججنا لأننا لا نجد دائمًا إجابة جاهزة أمامنا. وربما كانت هذه الرحلة، بما تتضمنه من جهد وبطء ومحاولة وخطأ، جزءًا أساسيًا من الطريقة التي تتكون بها قدراتنا العقلية. وهنا تبرز مسألة تستحق اهتمام المكتبات والمؤسسات المعرفية بصورة خاصة؛ فإذا كان من أدوارها الراسخة أن تساعد الإنسان على الوصول إلى المعرفة وفهمها وتقييمها، فهل ينبغي أن يقتصر دورها في عصر الذكاء الاصطناعي على تعليم المستفيد كيفية استخدام الأدوات الجديدة؟ أم أن عليها أن تضطلع بدور أعمق، يتمثل في المحافظة على قدرة الإنسان على التفكير والتحليل والنقد، حتى وهو يستفيد من هذه الأدوات؟ 

ولعل اللافت أن هذا التصور بدأ يجد صدى واضحًا في الخطاب المهني للمكتبات. فقد أكدت جمعية المكتبات الأمريكية  (ALA)، في إرشاداتها التي أقرّتها عام 2026 بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في المكتبات، أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكمّل الذكاء البشري والاستدلال والتفكير النقدي. كما أوصت بأن تضطلع المكتبات بدور فاعل في تعليم الثقافة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما يساعد المستفيدين على فهم حدود هذه الأدوات، والتحقق من مخرجاتها، ومقارنتها بالمصادر الموثوقة، واتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن استخدامها. 

وهنا تحديدًا تتسع وظيفة المكتبة: فبعد أن كان السؤال التقليدي هو «كيف نعثر على المعلومات؟»، أصبح من الضروري أن نضيف إليه سؤالًا أكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف نحافظ على قدرتنا على التفكير في المعلومات التي تقدمها لنا الآلة؟ 

ومن هذا السؤال يمكن أن ننتقل إلى سؤال أعمق يتعلق بالإنسان نفسه : 

1. ماذا سيحدث للإنسان إذا أصبح لا يحتاج إلى أن يفعل بنفسه الأشياء التي كانت تُدرّب عقله يوميًا؟ 

فحين كان الباحث يبحث عن معلومة، كان يقرأ ويقارن ويستبعد ويعود إلى مصادر مختلفة قبل أن يصل إلى نتيجة. وحين كان الطالب يكتب بحثًا، كان مضطرًا إلى ترتيب أفكاره، وتذكر ما قرأه، وبناء حجته، واكتشاف مواطن الضعف فيها. وحين كان القارئ يواجه سؤالًا لا يعرف إجابته، كان عليه أن يبحث، ويجرب، ويخطئ، ثم يصل إلى المعرفة. أما اليوم، فقد أصبح بالإمكان اختصار هذه الرحلة كلها في جملة واحدة نكتبها في مربع محادثة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. ليست المشكلة أن الذكاء الاصطناعي يفكر بسرعة، وإنما أن الإنسان قد يعتاد ألا يفكر إلا بالقدر الذي تطلبه منه الآلة. 

2. من "المساعدة" إلى "التفويض المعرفي" 

في علم النفس، هناك مفهوم معروف باسم التفريغ المعرفي (Cognitive Offloading)، ويشير إلى استعانة الإنسان بأدوات خارجية لتخفيف العبء عن ذاكرته أو انتباهه أو عمليات التفكير لديه. وليس التفريغ المعرفي ظاهرة جديدة. فالإنسان استخدم الورق والقلم، والكتب، والفهارس، والآلات الحاسبة، ومحركات البحث، والهواتف، وتطبيقات الخرائط، من أجل تخفيف الأعباء المعرفية. لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يختلف في نقطة جوهرية: فهو لا يكتفي بحفظ المعلومة أو استرجاعها، وإنما يستطيع توليد صياغة، واقتراح حجة، وتفسير فكرة، وبناء خطة، وحل مشكلة، وتقديم قرار أولي. أي أن الأداة لم تعد تحمل جزءًا من الذاكرة فقط، ولكن أصبحت قادرة على حمل أجزاء من عملية التفكير نفسها. وهنا ينبغي أن نتوقف. فإذا كان الإنسان يستخدم الآلة لتوسيع قدرته على التفكير، فنحن أمام علاقة صحية ومثمرة. أما إذا استخدمها لكي يتجنب التفكير أصلًا، فنحن أمام شيء مختلف:  نقل الوظيفة العقلية من الإنسان إلى الآلة. وقد أظهرت دراسة منشورة في مؤتمر CHI عام 2025، شملت 319 من العاملين في وظائف معرفية، إلى أن زيادة ثقة المستخدمين في أنظمة الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تقترن بتراجع مستوى التفكير النقدي الذي يمارسونه أثناء تنفيذ المهام المدعومة بهذه الأنظمة. وفي المقابل، أظهرت الدراسة أن ارتفاع ثقة الأفراد بقدراتهم الذاتية يرتبط بزيادة ممارستهم للتفكير النقدي. كما كشفت النتائج عن تحول مهم في طبيعة التفكير النقدي؛ فلم يعد يتركز على ابتكار الحلول أو إنتاج الأفكار من الصفر، بل أصبح يتمحور حول تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، والتحقق من دقتها، ودمجها في العمل، والإشراف عليها. ويمثل هذا التحول قضية جديرة باهتمام المكتبات والمؤسسات المعرفية، لما له من تأثير مباشر في أساليب العمل المعرفي واتخاذ القرار. 

3. عندما تصبح سهولة الإجابة مشكلة 

ربما كانت إحدى أعظم مفارقات الذكاء الاصطناعي أنه حل مشكلة كان يعتقد أنها المشكلة الأساسية: الوصول إلى المعلومات. لكن اكتشف في المقابل أن الوصول السريع إلى المعلومات لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها بصورة صحيحة. فالإنسان قد يحصل على إجابة ممتازة، لكنه لا يعرف: 

  • لماذا هذه الإجابة صحيحة؟ 
  • ما مصدرها؟ 
  • هل توجد إجابة أخرى؟ 
  • ما الافتراضات التي بُنيت عليها؟ 
  • هل أغفلت الآلة وجهة نظر مهمة؟ 
  • هل المعلومات حديثة؟ 
  • هل المصدر أولي أم ثانوي؟ 
  • وهل السؤال نفسه صيغ بطريقة صحيحة؟ 

وهنا يعود دور التفكير النقدي والثقافة المعلوماتية إلى الواجهة. واعتبار الذكاء الاصطناعي الثقافة المعلوماتية أكثر أهمية. ففي عصر المعلومات المحدودة كان التحدي هو العثور على المعلومة. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فأصبح التحدي هو الحكم على المعلومة. وهذا تحول جوهري في وظيفة المكتبات والمؤسسات المعرفية. 

وتشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام المسؤول والموجّه للذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم التفكير النقدي وحل المشكلات. كما وجدت مراجعات حديثة أن أثر الذكاء الاصطناعي ليس سلبيًا أو إيجابيًا بصورة مطلقة، وإنما يعتمد بدرجة كبيرة على كيفية استخدامه وتصميم المهمة التعليمية أو المعرفية المحيطة به.  

4. ماذا يمكن أن تفعل المكتبات؟ 

إذا كانت المكتبات قد أمضت عقودًا في تعليم المجتمع كيف يجدون المعلومات، فإن المرحلة القادمة تتطلب أن تعلمهم أيضًا كيف يفكرون في المعلومات التي يجدونها أو تنتجها الآلة. وهذا يتطلب إعادة تعريف بعض برامج التثقيف المعلوماتي التقليدية. 

- تعليم "التفكير قبل السؤال" 

ربما نحتاج إلى أن نعلم المستفيد ألا يبدأ دائمًا بفتح  ChatGPT . ولكن أن يبدأ بسؤال نفسه: 

ماذا أعرف؟، ثم: ماذا أريد أن أعرف؟، ثم: ما الفرضية التي أملكها؟،  ثم: ما الذي ينقصني؟، وبعد ذلك فقط يستخدم الذكاء الاصطناعي. هذه الخطوات البسيطة تعيد للإنسان موقعه بوصفه صاحب السؤال، بدل أن يصبح مجرد متلقٍ لإجابة الآلة. 

- تحويل الذكاء الاصطناعي من "آلة إجابة" إلى "شريك تفكير" 

بدل أن نقول للمستفيد: اطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب لك الإجابة. يمكن أن نقول: 

اطلب منه أن يقدم لك ثلاث وجهات نظر مختلفة، ثم ابحث عن مصادر تؤيد كل وجهة نظر، وقارن بينها، وحدد بنفسك أيها أكثر إقناعًا. 

وبدل: لخّص لي هذا الكتاب. يمكن أن تصبح المهمة: 

اقرأ الفصل أولًا، واكتب ملخصك بنفسك، ثم اطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكشف لك ما أغفلته. 

الفارق هنا ليس تقنيًا، ولكن معرفي وتربوي. في الحالة الأولى تقوم الآلة بالمهمة بدلًا من الإنسان. وفي الثانية تستخدم الآلة لكي تجعل الإنسان يفكر بصورة أعمق. 

Image

- إعادة الاعتبار إلى القراءة البطيئة 

في زمن الإجابات الفورية، تصبح القراءة المتأنية فعلًا مقاومًا للسرعة. نحن بحاجة إلى إعادة اكتشاف قيمة أن يقرأ الإنسان كتابًا لا يستطيع اختصاره في دقيقة. أن يضع خطًا تحت فكرة. أن يختلف مع المؤلف. أن يعود إلى فقرة. أن يكتب ملاحظة في الهامش. أن يتوقف أمام سؤال لا يعرف إجابته. فبعض العمليات العقلية لا تحتاج إلى مزيد من السرعة، وإنما تحتاج إلى وقت أطول. والمكتبة، بطبيعتها، هي واحدة من المؤسسات القليلة في المجتمع التي تستطيع أن توفر هذا النوع من الوقت والمساحة. 

- إنشاء "مساحات للتفكير" 

قد يكون من المفيد أن تعيد المكتبات النظر في مفهوم "المكان الثالث" الذي توفره للمجتمع. لماذا لا تصبح المكتبة أيضًا مساحة للتفكير الجماعي؟ يمكن تنظيم: 

  • حلقات قراءة دون استخدام الذكاء الاصطناعي في المرحلة الأولى. 
  • جلسات "فكر ثم اسأل". 
  • نوادي للتحقق من إجابات الذكاء الاصطناعي. 
  • ورش لمقارنة إجابات نماذج مختلفة مع المصادر الأصلية. 
  • أنشطة بحثية يُمنع فيها استخدام الذكاء الاصطناعي في مرحلة توليد الفكرة، ثم يُسمح به في مرحلة النقد والمراجعة. 
  • لقاءات بعنوان: "هل تستطيع الآلة إقناعك بخطأ؟" 
  • تدريبات على اكتشاف الهلوسة والمعلومات غير الموثوقة. 
  • أنشطة تستعيد مهارات الذاكرة والاستدعاء والتحليل. 

بهذه الطريقة لا تصبح المؤسسة المعرفية مكانًا لتعليم استخدام الأدوات فحسب، ولكن مكانًا لتدريب العقل على مقاومة الاعتماد المفرط عليها. ونموذج على ما قامت بتقديمه مكتبة جامعة مانشستر هو تقديم ورشة عمل حول التفكير النقدي في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي. 

Image

 

- إعادة تصميم برامج الثقافة المعلوماتية 

لقد كانت الثقافة المعلوماتية التقليدية تسأل: كيف تجد المعلومات؟ ثم تطورت لتسأل: كيف تقيّم المعلومات؟. 

أما الآن فيجب أن تضيف سؤالًا ثالثًا: كيف تحافظ على استقلالك المعرفي وأنت تستخدم الذكاء الاصطناعي؟ 

وهذا يعني أن برامج محو الأمية المعلوماتية في المؤسسات المعرفية ينبغي أن تتضمن مفاهيم مثل: 

  • التفريغ المعرفي. 
  • التحيز الآلي. 
  • الثقة الزائدة في مخرجات الذكاء الاصطناعي. 
  • التحقق من المصادر. 
  • الاستدلال والتحقق المتقاطع. 
  • التمييز بين المعرفة والاستجابة اللغوية. 
  • الاستقلال المعرفي. 
  • التفكير النقدي. 
  • ما وراء المعرفة. 
  • التمييز بين استخدام الذكاء الاصطناعي للمساعدة واستخدامه للاستبدال. 

- حماية  الجهد المعرفي  

ربما نحتاج إلى مفهوم جديد في تصميم خدمات المكتبات: الجهد المعرفي المنتج. ليس كل جهد ينبغي التخلص منه. فالإنسان يتعلم أحيانًا لأنه اضطر إلى البحث. ويتذكر لأنه حاول الاسترجاع. ويفهم لأنه عانى قليلًا مع النص. ويصبح أكثر قدرة على النقد لأنه اضطر إلى المقارنة بين رأيين متعارضين. إن جعل كل شيء أسهل وأسرع قد يكون إنجازًا تقنيًا، لكنه ليس بالضرورة إنجازًا معرفيًا. فالسؤال الذي يجب أن تسأله المؤسسة المعرفية عند إدخال أي أداة للذكاء الاصطناعي ليس فقط: 

كم من الوقت وفرت؟ ولكن أيضًا: ماذا يحدث لقدرة المستفيد على التفكير بعد أن وفرنا له هذا الوقت؟

 

المصدر : تم إصدار صورة غلاف المقال بواسطة الذكاء الاصطناعي

التعليقات

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.